الشيخ أحمد بن محمد القسطلانى

395

المواهب اللدنية بالمنح المحمدية

رواية : « ومنبرى على ترعة من ترع الجنة » وأصل الترعة الروضة على المكان المرتفع خاصة ، فإذا كان في المطمئن فهي روضة . ولم يختلف أحد من العلماء أنه على ظاهره وأنه حق محسوس موجود ، فإن القدرة صالحة لا عجز فيها ، وكل ما أخبر به الصادق - صلى اللّه عليه وسلم - من أمور الغيب فالإيمان به واجب . * ومنها أن ما بين منبره وقبره روضة من رياض الجنة ، رواه البخاري بلفظ « ما بين بيتي ومنبرى » وهذا يحتمل الحقيقة والمجاز . أما الحقيقة : فبأن يكون ما أخبر عنه - صلى اللّه عليه وسلم - بأنه من الجنة مقتطعا منها ، كما أن الحجر الأسود منها « 1 » ، وكذلك النيل والفرات من الجنة « 2 » ، وكذلك الثمار الهندية من الورق التي هبط بها آدم - عليه السّلام - من الجنة ، فاقتضت الحكمة الإلهية أن يكون في هذه الدار من مياه الجنة ، ومن ترابها ، ومن حجرها ، ومن فواكهها ، حكمة حكيم جليل . وأما المجاز : فبأن يكون من إطلاق اسم المسبب على السبب ، فإن ملازمة ذلك المكان للصلاة والعبادة سبب في نيل الجنة ، قاله ابن أبي جمرة ، وهو معنى قول بعضهم : لكون العبادة فيه تؤول إلى دخول العابد روضة الجنة . وهذا فيه نظر : إذ لا اختصاص لذلك بتلك البقعة على غيرها . وفي كتاب « بهجة النفوس » لابن أبي جمرة أيضا حكاية قول : أن تلك البقعة تنقل بعينها فتكون من الجنة ، يعنى روضة من رياضها . قال : والأظهر الجمع بين الوجهين مما يعنى احتمال كونها تنقل إلى الجنة ، وكون العمل فيها يوجب لصاحبه روضة في الجنة ، ويأتي مزيد لذلك - إن شاء اللّه تعالى - في فضل الزيارة من المقصد الأخير - إن شاء اللّه تعالى - .

--> ( 1 ) صحيح : والحديث أخرجه الترمذي ( 877 ) في الحج ، باب : ما جاء في فضل الحجر الأسود والركن والمقام ، والنسائي ( 5 / 226 ) في المناسك ، باب : ذكر الحجر الأسود ، وأحمد في « المسند » ( 1 / 307 و 329 و 373 ) ، من حديث ابن عباس - رضى اللّه عنهما - ، والحديث صححه الشيخ الألبانى في « صحيح سنن النسائي » . ( 2 ) صحيح : وقد ورد ذلك في حديث طويل أخرجه البخاري ( 3207 ) في بدء الخلق ، باب : ذكر الملائكة ، من حديث أنس - رضى اللّه عنه - .